|
أصباغ ومشارط
باسل الخطيب
9/11/1994
التراث السينمائي الأميركي- الثورة
"إننا جميعاً أوصياء على ثقافتنا هذه الثقافة التي لا تحدد فقط من نحن الآن،
بل من كنا في الماضي أيضاً، إن أؤلئك الذين جاهدوا طيلة حياتهم من أجل
انجاز أعمال فنية متكاملة يتطلعون اليوم إليكم للحفاظ على هذه الأعمال
بالشكل الحقيقي لها ، أعتقد أننا نملك الحق بذلك .."
كانت هذه كلمات المخرج الراحل جون هيوستن . بعث بها بواسطة رسالة مسجلة على
شريط فيديو إلى الكونغرس بعد أن حال مرضه العضال دون سفره للمثول شخصياً
أمام اللجنة المختصة التي شكلت لمناقشة قضية ما تزال تشغل الرأي العام في
أميركا .
بناء على دعوة من وكالة الإعلام الأميركية، قمت مع مجموعة من مخرجين ونقاد
سينمائيين من دول مختلفة ، بجولة اطلاعية في الولايات المتحدة للتعرف على
أهم مراكز صناعة السينما . كان البرنامج حافلاً باللقاءات ، ومن مدينة
لأخرى حملنا انطباعات مدهشة حول أساليب العمل السينمائي والتقدم التكنولوجي
الهائل في صناعة الفيلم ، خصوصاً في سان فرانسيسكو ، حيث مدينة جورج لوكاس
السينمائية (سكاي ووكر) وشركات المؤثرات البصرية البالغة التعقيد ، أما في
لوس أنجلوس فلم نشاهد فقط استوديوهات هوليود وديزني لاند والسائحات
الأجنبيات وهن يلتقطن صوراً تذكارية مع شرطة المدينة الشهيرة على كورنيش
المحيط، إنما شاهدنا أيضاً الجانب الآخر الذي يمر به التراث السينمائي
الأميركي ، في قاعة عرض صغيرة ببناء فخم وسط المدينة يضم تجمع المخرجين
السينمائيين ، شاهدنا فيلماً قصيراً بعنوان (ما الخطأ في هذه الصورة؟) فيلم
يتحدث عن عمليات التغيير والتشوية التي تمارسها شركات الترفيه والتسلية على
روائع السينما الأميركية الكلاسيكية .
في تشرين الثاني عام 1986 عقد جون هيوستن مؤتمراً صحفياً شجب فيه قيام شركة
تيرنر بتلوين فيلمه (الصقر المالطي) الذي أخرجه عام 1941 ، وهو الفيلم
الأهم في مسيرته الإخراجية والذي تطلب إنجازه وقتاً وجهداً كبيرين .
الحقيقة التي يجدها السينمائيون الأميركيون مثيرة للسخرية ، أن أميركا التي
احتضنت صناعة السينما، لاتزال الدولة الوحيدة في العالم الغربي المتحضر
التي لم تعترف بعد بحقوق السينمائيين الأدبية والمعنوية ، لقد انضمت أميركا
إلى معاهدة برن ( المعاهدة الأكثر قوة في العالم ، والمتعلقة بحقوق الملكية
الأدبية) في عام 1989 فقط ، أي بعد حوالى قرن تقريباً من إعلان هذه
المعاهدة ، وكان الدافع الأساسي للإنضمام إلى المعاهدة محاولة إيجاد حل
لمشكلة المليار دولار التي تخسرها الشركات الأميركية سنوياً بسبب قرصنة
الفيديو وبرامج الكمبيوتر في العالم ، وأما الدافع الأساسي في عدم الانضمام
للمعاهدة منذ بدايتها فلأن الولايات المتحدة لم ترغب طيلة الفترة الماضية
في أن تفتح أمامها مشكلة حقوق الملكية الأدبية، وحتى بعد قيام الكونغرس عام
1990 بتصديق البند المتعلق بحماية حقوق الرسامين والنحاتين والمصورين
الفوتوغرافيين والحفاظ على أعمالهم من التغيير والتشوية، بقى السينمائيون
وحدهم بلا حقوق أدبية ، وبقيت أعمالهم فرصة لكل أنواع التجارب التكنولوجية
، فالسينمائيون الأميركيون يعملون "بالأجرة" ووفقاً للقانون الأميركي
الصارم فإن كل من يعمل بالأجرة يملك حقاً صريحاً ومحدداً بالحصول على أجره
والضمان الصحي أثناء قيامه بالعمل، ولكن ما أن ينتهي هذا العمل حتى تعود
ملكيته بالكامل للشركة المنتجة وتتلاشى أية حقوق ممكنة للسينمائي لدرجة أن
القضاء نفسه لا يعود يعترف حتى بوجود هذا الإنسان، فكيف إذاً بحق أدبي
يطالب به !
كيف يتم العبث بالتراث السينمائي الأميركي ؟
أولاً : حتى يصبح ممكناً عرض فيلم سينمائي مخصص أساساً للعرض على شاشة
كبيرة مستطيلة، على التلفزيون بشاشته الصغيرة والمربعة، لجأت الشركات إلى
تقنية تدعى (بان وسكان) أي بمعنى حرك واقطع ، بحيث يتم اختيار خمسين
بالمائة من مساحة اللقطة وفقاً لما تراه الشركة مناسباً، ويلغى الخمسون
بالمائة الأخرى فلا يراها المشاهد أبداً ، مع العلم أن هذا القسم الملغي قد
يكون الأكثر أهمية ويتضمن المعلومات الأساسية للفيلم ، وهكذا تسقط من
الشاشة وجوه الممثلين وأحداثاً كاملة ويضيع التشكيل وبالتالي تتأثر لغة
الفيلم ومعناه ويشاهد الجمهور "نصف فيلم" ومع أنه تم في مرحلة لاحقة إيجاد
تقنية جديدة تدعى (ليتربوكسينغ) يمكن بواسطتها عرض اللقطة كاملة ولكن مع
وجود خطين أسودين عريضين في الأعلى والأسفل بحيث يستطيع المشاهد متابعة
الفيلم دون أن يضيع شيئاً من تفاصيل اللقطة، إلا أن الشركات المعنية لا
تزال مصرة على تقنية (بان وسكان) زاعمة بأن الجمهور لا يفضل متابعة الأفلام
بطريقة (ليتربوكسينغ) وغير عابئة بما سيلحق بالفيلم وصانعه من الضرر
والإحساس بالإهانة .
ثانياً : يتساءل الممثل جاك ليمون في فيلم (ما الخطأ في هذه الصورة ؟)
لماذا لم يفكر أحد بتلوين صورة لنكولن الشهيرة التي التقطها أحد مصوري
الحرب الأهلية ؟ ولماذا يعمدون إلى تلوين الأفلام الكلاسيكية الأميركية ؟
هذه الأفلام التي اختار صناعتها منذ البداية وانطلاقاً من وجهات نظر فنية
وخاصة أن يصوروها بالأبيض والأسود. اليوم تقوم شركات الترفيه بتلوين هذه
الأفلام ضاربة بعرض الحائط جهود الذين عملوا على إنجازها والذين أخذوا
يشهدون بأم أعينهم كيف تتم إهانتهم علناً عبر التشويه الفظيع لأفلامهم
وأفكارهم، ويخشى البعض أن يطال هذا العبث مستقبلاً جوانب أخرى من الفيلم،
كأن تستبدل موسيقى الروك بالشريط الموسيقي لفيلم (ذهب مع الريح) مثلاً ..
ثالثاً : تلجأ بعض الشركات اليوم إلى تسريع عرض الفيلم من خلال عملية تدعى
(ضغط الزمن) يتم خلالها اختصار الزمن الفعلي للفيلم، وذلك ليلائم الوقت
المخصص للعرض تجارياً في محطات التلفزيون . في حالات أخرى يتم حذف مشاهد
كاملة بشكل اعتباطي وبدرجة من الاستهزاء بحيث ينتهي الفيلم في منتصفه
أحياناً .. إن المشاهد التي تطلب تحقيقها في الماضي جهوداً مضنية من قبل
المخرج والممثلين والفنيين، من أجل العثور على الإيقاع الصحيح بكل ما
تتضمنه هذه المشاهد من حوار ووقفات وتأملات لأهم ممثلي السينما في العالم ،
كل هذه المشاهد أصبحت عرضة للتشويه والالغاء ولأهداف تجارية بحتة .
رابعاً : التقنية الأكثر خطورة تدعى ( مورفي) أي التشكيل على نحو معين .
وهذه التقنية تتيح إمكانية محو أي شيء من اللقطة، ووضع شيء آخر مكانه مهما
بلغت التعقيدات الموجودة داخل اللقطة ، كل هذا أصبح ممكناً بواسطة
الكمبيوتر والأجهزة الرقمية . أي أنه يمكن على سبيل المثال إعادة عرض فيلم
(المواطن كين) تماماً كما أخرجه أورسون ويلز ولكن من دون أن يكون ويلز بطل
الفيلم، وإنما أي ممثل آخر معاصر .
إن هذه التقنية وبكل بساطة توفر الامكانية لتغيير التاريخ بأكمله في الفيلم،
وبحيث يصبح العثور على الحقيقة في السينما أمراً مستحيلاً ؟!
ومن أجل الوقوف في وجه هذه الشركات الضخمة التي لا تزال تجري تجاربها
المختلفة على التراث السينمائي ، أنشئت عام 1989 في لوس أنجلوس مؤسسة حقوق
الفنانين، وهي مؤسسة ثقافية وخيرية تهدف أولاً إلى اطلاع الرأي العام على
أهمية الحفاظ على هذا التراث باعتبار أن الفيلم السينمائي هو الشكل الخاص
والمميز للفن الأميركي عموماً في القرن العشرين، وثانياً إلى المطالبة
بحقوق أدبية واضحة لصناع الفيلم، بحيث لا يتم التصرف بأفلامهم دون الرجوع
إليهم وأخذ موافقتهم، وتضم المؤسسة أسماء لامعة مثل مارتن سكورسيزي ، سيدني
بولاك، أوليفرستون، جورج لوكاس، ستيفن سبيبلرغ، ميلوش فورمان، كيفن كوستز،
جاك نيلسون، انجليكا هيوستن، هاريسون فورد، داستن هوفمان، وغيرهم .. كل
هؤلاء سينمائيون يعيشون اليوم نجاحات مبهرة، ومع ذلك يشعرون بأنهم معنيون
مباشرة بالحفاظ على هذا التراث .
إن التقدم التكنولوجي أمر رائع ولا حدود لإمكانياته، وكأن هذا التقدم يسر
بآذان المخرجين أن تخيلوا مشاهدكم كما تشاؤون ولا تضعوا حدوداً لمخيلتكم
لأن التكنولوجيا قادرة على تنفيذ كل شيء، لكن لهذا التقدم جانبه الآخر
السلبي، ويجب محاربة سوء استخدامه . تقول انجليكا هيوسن : "إن التكنولوجيا
مؤثرة ، لكنها خطرة خصوصاً إذا كانت بين يديّ من يريد ابتذال واهانة أعمال
الفنانين الأصلية" .
في فيلم (ما الخطأ في هذه الصورة ؟) يقول جاك ليمون : " لقد تم اختصاري
وتلويني وإلغائي دون أن يؤخذ برأيي" ويضيف : " لم يعد الفيلم موروثاً
ثقافياً ، بل أصبح ملكية خاصة للمنتج ! لقد وهبت حياتي للسينما وأفلامي هي
رصيدي في هذه الحياة .. بوسعنا أن ندع أفلامنا بسلام وبوضعها الأول والأصلي
لتبقى تراثاً رائعاً لإبنائنا وأبناء أولئك الذين يعبثون بها .. إن هذه
التغيرات تعنينا للغاية لأننا معنيون أساساً بفننا ولغتنا وتاريخنا .. إنها
مخاطرة، مخاطرة حقيقية : التعتيم على ماضينا وحاضرنا، والتنازل عن مستقبلنا"
.
ويؤكد مارتن سكورسيزي على موقف المؤسسة في تقرير ألقاه أمام الكونغرس بهذا
الشأن : " قد يتساءل الناس عن سبب تشددنا بهذه الامور ؟ حسناً، الحقيقة إن
كل ما يحدث الآن يغوص عميقاً في روح بلادنا وتراثنا الذي نشعر تجاهه بالفخر
والحب ... "
عندما سئل جون هيوستن ذات مرة عن سبب هزيمة الرجال في الحياة عموماً أجاب :
" ربما يهزم الرجال في حياتهم لأنهم يصنعون تماثيل مزيفة لأنفسهم ويحاولون
الحصول على أشياء ليست لها قيمة" .
لم يحاول هيوستن خلال مسيرته كمخرج أن يصنع تمثالاً مزيفاً لنفسه ولم يحاول
الحصول على أشياء ليست لها قيمة ، ومع ذلك فقد بدا في رسالته المسجلة على
شريط الفيديو ، والتي تضمنت موقفه مما يحدث لأفلامه القديمة ، والتي توفي
بعد تسجيلها بعام تقريباً ، بدا هيوستن شيخاً مرهقاً ومهزوماً يحاول أن
يبقى متماسكاً .. فليس هناك أصعب من أن يمضي الإنسان حياته من أجل قضية ما
، ويأتي آخرون فجأة فيعبثون بها .
|