BACK       عودة


مسلسل لفت الأنظار وسط ركام من النتاجات العابرة

( حنين) عن هزيمة لا تنسى بآثارها

من الأعمال اللافتة التي عرضت في شهر رمضان الفائت ،وتعرض حالياً في أكثر من فضائية عربية مسلسل" حنين" للمخرج باسل الخطيب،وهو من تأليفه مشاركة مع الكاتبة ديانا جبور ..
يتحدث ( حنين) عن المأساة أو الهزيمة التي حملها الإنسان العربي منذ عام 1967 وما تركته في شخصية هذا الإنسان ، وقد تفرغ الكاتبان بتوزيع هذه الهزيمة على شخوص العمل وخاضا في الأثر الذي تركته على محورين : الأول هو محور المخرج المسرحي (أيمن زيدان) الذي عاش في أوروبا فترة من الزمن وتزوج هناك ثم عاد إلى وطنه بروح جديدة نوعاً ما فتزوج من جديد بفتاة شابة هي الهام (سوزان نجم الدين ) الممثلة التي دخلت عالم التمثيل عن طريقه، وقد حاول الكاتبان في هذه الشخصية إبراز الهزيمة وتراجعها في شخصيته عبر تطلعاته إلى الحياة ومحاولته التخلص من الإرث الثقيل الذي خلفه عليه الماضي منذ مولده في عام 1948 حتى دخوله الجامعة عام 1967 وخوضه حرب 1973 ثم هروبه من حاضره المجروح إلى مستقبل بعيد في أوروبا ،وأخيراً العودة إلى الوطن والبدء من جديد طبعاً مع شعور متواصل باقتراب الموت الذي تجلى بموت زوجته الشابة ، ومن خلال هذه الشخصية يمر الكاتبان عبر تفاصيل كثيرة عن الحب والفن والعائلة والحياة والموت . المحور الثاني هو محور بلال ( عباس النوري ) صديق أحمد الذي فقد ذراعه خلال حرب عام 1973. ومع أنها حرب انتصر فيها العرب ، إلا أنها هزيمة له على نحو شخصي ، فقدان يده التي ركز علها الكاتبان والمخرج زرع لديه حساً عالياً بالهزيمة التي لم يستطع التخلص منها عبر الأعوام الثلاثين التي تلت ، وانعكس ذلك على عائلته فزرع فيها اليأس والخراب ، فها هو الابن ياسر (سمير حسين) يهرب إلى أوروبا تاركاً كل شئ وراءه من دون أن يلتفت أو حتى من دون أن يشعر بخسارة ما ترك . وعلى الجانب الآخر نجد أخته لمى (أمية ملص) تخوض في علاقة غير مشروعة ، أساسها الطمع والوصولية ، مع تاجر مستهتر يرى أن الحياة تخرج من جيبه فقط وأنه بذلك يستطيع التحكم بمصائر الناس ، وتبقى الأم في البيت تعيش خراب عائلتها ودمارها وهي تراقب سير الأمور على مهل من دون أن تستطيع تغيير أي شئ .هذه الهزيمة التي أراد الكاتبان التحدث عنها استطاعا زرعها بقوة في بيت بلال وعائلته وعكسها في تصرفاتهم وسلوكهم ،ويبقى أمام المشاهد الربط بين الهزيمتين وأثرهما في محوري العمل .
استطاع باسل الخطيب وديانا جبور في هذا العمل أن ينقلا جانباً مهماً في الحياة اليومية متمثلاً في رصد التفاصيل غير المطروقة سابقاً عبر الحوارات عالية المستوى التي قدماها على ألسنة شخوصهما ، حتى أنه يمكن أن يؤخذ على العمل هذا المأخذ في طبيعة هذا الحوار ، إذ رأينا في بعض المشاهد تصرفات وتأملات تقترب نوعاً ما من الحديث الفلسفي الذي كان طاغياً في حوارات الشخوص الأساسية ، لكننا نرى أيضاً أن الحوار في هذا المستوى كان ضرورياً في كثير من المواقع .خصوصاً أن القائمين على الدراما اعتادوا أن تكون الحوارات موجهه إلى فئة معينة من الناس ، هي الفئة البسيطة التي لا تدخل عادة في المجال الثقافي أو الفكري للكتاب ، فيتم التعاطي

معها في شكل واحد تقريباً . إلا أننا في هذا العمل وجدنا أن الكاتبين أخذا منحى آخر وخاطبا شرائح مختلفة مع التركيز على شريحة تستوعب الخطاب الثقافي العالي ، ومع ذلك فإن الإغراق في التأملات الفلسفية والأحاديث المبهمة يقلل نوعاً ما من الجماليات المتوقعة مع صورة راقية رافقت العمل من بداياته وحتى نهايته ، والأمثلة على نوع الخطاب المستخدم كثيرة مع رصد المؤلف حالات عقلية وانفعالية دقيقة استطاع بها الخروج في شكل مقنع لدرجة كبيرة ، ففي أحد المشاهد عندما كانت إلهام تتدرب على مشهد من المسرحية تحدث معها أحمد عن الانفعال والصدق والحقيقة وكيف تخرج من الممثل ليقنع بها المشاهد ، وكان يتحدث بانفعال زائد يكاد يقترب من الكذب الذي يتحدث عنه ، ولكن الكاتب رصد اللحظة ما قبل ذلك حينما كان أحمد غاضباً بسبب وجود الصحافي، الشيء الذي انعكس على تصرفاته ذلك اليوم وخرج في شكل غاضب في العمل على إلهام فجاء الانفعال صادقاً ومؤثراً بعكس الحال فيما لو كان مجرداً عما قيل. أفكار مهمة كثيرة طرحها المسلسل ولا مجال لذكرها جميعاً، لكننا نشير إلى أبرز تلك الأفكار ومنها فكرة الهزيمة التي تلاحقنا حتى نهاية العمر وتنعكس بالتالي على كل ما يتعلق بنا ، وكذلك فكرة العلاقة بين الرجل والمرأة وفهم كل منهما لهذه العلاقة ، وأيضاً هناك فكرة علاقة أفراد الأسرة في ما بينهم وحالة الغفران التي تتشكل في العائلة إذا ما أخطأ احد منهم . بكل الأحوال شاهدنا أدباً فنياً راقياً على الشاشة . إضافة إلى الأجواء التي تمكن باسل الخطيب من صنعها ورسمها ،ونجح في نقلها بجماليات تصويرية عالية .

محمد داوود ( جريدة الحياة 6- 6 – 2003 )