BACK       عودة


باسل الخطيب
المخرج السينمائي الذي رأى الله في القدس

تزامنت زيارته الأولى لفلسطين مع بداية تصوير مسلسله ( أنا القدس ) الذي يروي قصة المدينة منذ 1917 حتى 1967 .. في بيت والده الشاعر يوسف الخطيب ، تواشجت السياسة والثقافة والأدب والهم الوطني وأسهمت في تكوين شخصيته .

" لو قشة مما يرف بيدر البلد.. خبأتها بين الجناح وخفقة الكبد.. لو رملة من المثلث أو ربا صفد لو عشبة بيد ومزقة سوسن بيد ".. أبيات، أمنيات، توصيات حملها يوسف الخطيب لعندليب مهاجر مرت السنون، خبّأ ابنه المخرج باسل الخطيب قصائد والده في قلبه ومضى إلى غزة حاملاً الياسمين الدمشقي إليها . هناك زار قبر جديه وأقاربه وعاد بحفنة تراب وشتلة زيتون ويقين مطلق بأن " الأوطان تستعيد أبنائها دائماً " ، يبوح لنا صاحب ( أيام الغضب ) : " خلال وجودي في الوطن لم تفارقني قصيدة والدي "رأيت الله في غزة". تزامنت أول زيارة إلى غزة مع بداية تصوير مسلسله ( أنا القدس )، الذي يروي قصة المدينة منذ1917 حتى 1967،" من خلال سير أبنائها ،ومثقفيها وأدبائها ومناضليها ،قصص حقيقية يمتزج فيها الوثائقي بالدرامي ، إنه حلم عمري". في مطلع الخمسينيات، غادر الوالد قريته دورا الخليل، إلى دمشق لدراسة الحقوق، ثم عمل في العديد من الإذاعات العربية، وكان أول من أعلن من إذاعة الجمهورية المتحدة نبأ الوحدة بين سوريا ومصرعام 1958، في مصر تعرف على والدته الغزّاويّة، التي كانت تدرس الحقوق في جامعة القاهرة وتزوجا عام 1961. قصائده الجامعية منعته من دخول ستّ دول عربية ، فارتحل إلى هولندا كمنفى اختياري، عمل في القسم العربي في إذاعتها، وفي عام 1962، ولد باسل مع شقيقه التوأم ليكون أول العنقود (أربعة شباب وثلاث بنات)وبعد سنتين ،كانت العودة إلى دمشق والاستقرار فيها . حياة صاحب ديوان ( عائدون ) أرخت بظلالها على حياة ابنه باسل الخطيب، وكونت لديه مخزوناً ومعرفياً لا ينضب." والدي عاش حياة مليئة بالكفاح ، ومنه تعلّمت أول درس بأن أكون حراً مستقلاً بآرائي وقناعاتي ". في بيت الشاعر الكبير تواشجت السياسة والأدب والهم الوطني، لتؤلف مناخاً استثنائياً أسهم في تكوين شخصيته الإبداعية :" أنا على تواصل مع كل ما يستجد على الساحة من ثقافة وسياسة وأحداث، بحكم طبيعة عمل والدي، أبي وأمي هما بوصلتي الحقيقية في الحياة ". لم يكن صاحب ( الطويبي ) من الطلاب المتفوقين في المدرسة ." كنت اهتم بالرياضة ولديّ شغف بالرسم ". مارس هواية كرة القدم من خلال اللعب في "نادي القدس" و"منتخب شباب فلسطين"، كذلك اهتم في سنوات المراهقة بالدراسات الفلسفية "لفهم طبيعة السلوك البشري، ومع الوقت بدأت أنمّي اهتماماتي الأدبية ".

يقول مخرج ( ناصر) :" كان والدي يعدّ سنوياً " المذكرة الفلسطينية "، وهي أول مطبوعة عربية وعالمية توثق يوميات القضية الفلسطينية . كنت أقرأ الأحداث وأرسم في النصف العلوي الفارغ من الصفحة ما يعبّر عنها لتبدو كسيناريو مصوّر". حين حصل على الثانوية العامة عام 1981، لم تكن الرؤية واضحة بخصوص ما يريدة من مهنة في الحياة ، يقول مخرج ( حنين ) " كنت موعوداً بمنحة لدراسة الطب في الاتحاد السوفيتي ، وبسبب التلاعب بالمنح وقتها، وجدت نفسي في باكو عاصمة أذربيجان لدراسة النفط !" قرر تجاوز هذا الاختصاص، وريثما يصلح الأمر ، انكبّ على دراسة اللغة والأدب الروسيين. بعد شهرين من وجوده في باكو، اكتشف صالة سينما صغيرة قرب السكن الطلابي ، بدأ يتردد إليها يومياً ووقع في غرامها ." في هذه الصالة تعرفت على أمهات الأفلام السوفيتية والعالمية التي سحرتني ، مع مرور الأيام أدركت أنني لن أكون إلاّ مخرجاً ".هنا بدأ مرحلة النضال في محاولة لتبديل المنحة :" الوصول إلى موسكو يحتاج إلى يومين في القطار وفيزا الدخول كانت صعبة المنال بالنسبة طالب أجنبي ". لكنه قرر خوض المغامرة وسافر سراً إلى موسكو. هناك قابل السفير الفلسطيني محمد الشاعر وحين أطلعه عما يريده قال السفير: فلسطين تحتاج إلى أطباء ومهندسين لا إلى سينمائيين ". توقف صاحب (هوى بحري)، ثم أردف قائلاً: أمضيت ليلة كاملة في العراء، في مدينة لا اعرف فيها احداً، كنت محبطاً جداً ".عاد في اليوم التالي إلى باكو وأضرب عن الدراسة ، وأعلم الإدارة بقراره : " معهد السينما أو العودة إلى سوريا ". بعد مرور أشهر وتحديداً في خريف 1982 وقف أمام لجنة القبول في معهد السينما في موسكو، وبدأ رحلة جديدة أقل ما يقال عنها إنها "مدهشة وساحرة ،كانت الأجواء في المعهد مليئة بالإبداع والتحدي". أساتذته تعاملوا معه كأنهم يرون مستقبله . بعد عرض فيلم التخرج ، كان الوقت متأخراً والمعهد شبه معتم، أمسك أستاذه المخرج الكسندر زغوريدي بيده وهو خارج من قاعة العرض، متذكّراً بحالة من الحنين لحظات جميلة مضت : "عبرنا ممراً طويلاً يفضي إلى باب المعهد الخارجي . بدا لي كأنه يرشدني إلى مرحلة جديدة في حياتي بدأت لتوها . كان يعاملني كابن له ". هذا المشهد بقي محفوراً في ذاكرته كمشهد سينمائي عصيّ على النسيان. بعد عودته إلى سوريا آواخرعام 1987، كان الإنتاج السينمائي في حالة بائسة ، والإنتاج التلفزيوني لم يبلغ ذروته بعد . قرر ألا يحجز مقعده في صف المنتظرين :"آمنت بأن أيّ شيء أنجزه في هذه الفترة سيصبّ في النهاية في مجال الإخراج". كتب رواية ( أحلام الغرس المقدس) سيناريوهات لأفلام ومسلسلات أنجزها لاحقاً مثل ( الرؤية الأخيرة ) و( الخريف)، وترجم كتابين عن سينمائيين كبيرين هما أندريه تاركوفسكي وانغمار برغمان . عام 1992 أخرج أول أفلامه التلفزيونية (الرؤية الأخيرة) الذي قدمه كمخرج يمتلك شفافية وحساسية فنية عالية : "اقتنعت بأنه يمكن تحقيق بعض طموحاتي السينمائية في التلفزيون ". وهذا تأكد لاحقاً في مجمل أعماله التي تميزت بطموحه وبلغة بصرية جادة، خلقت له بصمته الخاصة.

خلال عرض فيلم التخرج ( اللعنة ) في مهرجان دمشق السينمائي عام 1991 شاهدت الصحفية والكاتبة ديانا جبّور الفيلم وأعجبت به ،فكتبت عنه ، وكان سبب تعارفهما أولاً ،ووقوعهما في الحب ثانياً ، ثم شاركته في حياته ، وكتبت بعض أعماله . وأهم ما نتج من هذه الشراكة ابنهما مجيد الذي ورث عنه حب ّ الفن ، فمثل دور نزار قباني الطفل ، وكذلك دور جمال عبد الناصر حين كان صغيراً ،ودوراً آخر في مسلسل ( رسائل الحب والحرب) . ست عشرة سنة مرت قدّم خلالها باسل الخطيب حوالي 25 مسلسلاً منها ( الطويبي ) ( هولاكو) (أبو زيد الهلالي ) وأفلاماً تلفزيونية وسينمائية منها (الرسالة الأخيرة) ورغم النجاحات والجوائز الكثيرة التي حصدتها أعماله، فهو يرى أن إنجازاته مازالت بعيدة عن طموحاته.

إيمان الجابر ( الأخبار 12-4-2010 )