BACK       عودة


( رسائل الحب والحرب ) غوص في الفكر والمجتمع..

( رسائل الحب والحرب) هو من الأعمال التي تواكب ما طمحت إليه الدراما منذ بداية انتعاشها، وهو أن تكمل عناصر الإبداع في العمل الفني، وأن تكون البطولة الجماعية لكل مفرداتها إبتداءاً من السيناريو والإخراج مروراً بالإضاءة والموسيقى والمونتاج وغيرها ، لإعطاء أكبر قدر من الواقعية "الفنية " التي يجب أن تشد المشاهد إليها.
في هذا المسلسل حالة من الفرادة لم نشاهدها فقط بل عشناها وهي تلك العلاقة المتكاملة بين "الكتابة والإخراج" حتى يتماهى الكاتب مع المخرج ، ويموت كلاهما ليعيش العمل ، فتتداخل النقط والفواصل ، لتكمل الكاميرا ما أراد النص أن يقول،وتذهب الإضاءة مع نبرات الحس المدفون بين ثنايا الكلمات والجمل فتنبش مع الموسيقى كنوزاً أغنت الذاكرة بتناغم بين مبدعين متمكنين من أدواتهما ويدركان إلى أين سيصل العمل، لنطوف وإياهم في رحلة، توقظ ما اعتقدنا اندثرت من قساوة حياتنا الجافة عندما خسرنا ذلك الزمن الجميل من روائع الأدب الإنساني.
أما فنيات بناء المشهد فقد حرصت على تواتره وتصاعده عبر بناء الحدث الدرامي ليصل إلى ذروته في كل حلقة الذي سيبني بالضرورة جزءاً من تطور العمل ، بجمل مدروسة ومؤثرة، بكل تأن وهدوء لتضع بين أيدينا تحفة نصية ، اجتهد باسل الخطيب ليكون أميناً عليها عندما أضاف ما اكتسبه عبر رحلته الفنية الغنية ليقدم لنا فناً مشبعاً بحرفية. قد يكون هذا النوع من الأعمال "مغامرة" لأنه مشغول على أن يكون التأمل جزءاً مهماً فيه وهذا بالطبع يؤثر في إيقاع العمل الذي سيكون لكي نتمعن ونفر في الصوت والصورة! شخصيات المسلسل رموز تحمل أكثر من معنى ، أغتنت بتلك الإيحاءات التي كانت تصلنا لتتخطى حدود الزمان والمكان ، ولنتقاطع نحن معها وتتقاطع هي مع شخصيات مرت معنا في كتب الأدب..
فهاهي شخصية الجدة تتقاطع تارة مع الأم في " مئة عام من العزلة " وتذكرنا تارة ، عندما بدأت بتخريب ما أحاكته بشخصية ما مرت ذات يوم معنا في رواية ما ، أما نساء القصر الذي ذهبت إليه "نيسان" ،"سلاف فواخرجي" ، فقد كان مملوءاً بنساء "لوركا" المقطوعات اللاتي يحملن في داخلهن آثار القمع الاجتماعي الذي يخرجه مكتوباً على "زوجة الأخ" الجميلة .
والذي ساعد على رصد ما يدور داخل الشخصيات في المكان كانت الإضاءة ،التي لعبت دوراً مهماً في نفث الحياة في السيناريو، وكان مشهداً موفقاً حين دخلت "نيسان" إلى القصرأول مرة، ونزلت النسوة ، وبعد أن كانت السيادة للصمت ، كان حوار عميق يجري داخل الشخصيات حكته الإضاءة التي كانت ممتعة ثم انفتحت قليلاً ورويداً وبدأت تتلون، بتواز مع تطور الحدث والشخصية الدخيلة،بجدائلها القمحية والتي كانت رمزاً للحياة ومفرداتها ،مثلما كان الطفل . أما جديد المعالجة فقد ظهر في طريقة رسم الشخصيات التي احتوت داخل كل منها على متناقضات كثيرة فكانت"السجين والسجان" ،"الطيب والخبيث" ، "الضعيف والقوي" ،"الموت والحياة" وغيرها من المواصفات، إضافة إلى تقنية رسم الشخصية التي تعودنا أن نراها من زاوية واحدة كما في شخصية "السجان" الذي ربطته علاقة بسجينه "جلال " ،قصي خولي، والتي كانت رغم واقعيتها بالنسبة للعمل، غريبة علينا ، لكنها كانت متقنة في شخصية "العقيد" التي كنا نظن أنها مألوفة ومكررة،إلا أنها اختلفت هنا حيث أضيئت جوانب أخرى من شخصيته المركبة، والمتناقضة التي كانت تتنازع بين القسوة والحب،عندماندخل عميقاً إلى نفسه المعذبة من مهنة تتطلب القساوة والحزم، ومما حرم منه كرجل أراد أن يكون لديه أولاد، فتعاطفنا معه تارة وكرهناه تارة أخرى، وخاصة عندما بدأت شخصيته تتطور مع دخول "نيسان" المرأة التي عشقها إلى حياته ، مثلما تطورت الشخصيات التي حولها .
مسلسل يحتمل الكثير من القراءة والإسقاطات، وبغض النظر عن اتفاقنا أو اختلافنا مع ما يطرحه من وجهات نظر حياتية أو صراعات وجودية ،إلا أنه على صعيد السيناريو يمكن القول إن ريم حنا ارتقت في (رسائل الحب والحرب) إلى مستوى مميز أظهر توظيفاً للثقافة بقالب يتجاوز ما نطمح له ، وسط ما نراه من استسهال وعجلة وسطحية في بعض الأعمال مثلما ارتقى باسل الخطيب.

فاديا أبو زيد