|
(
الخريف) .. مقدمة المشهد
عاد المخرج الشاب باسل الخطيب من موسكو آواخر الثمانينات من القرن الماضي
محملاً بهواجس إبداعية كثيرة، وعوضاً عن دراسة الطب نجح في تحقيق طموحاته
واللحاق بروحه الوثابة فغير مسار حياته بدراسة السينما .
كان من الجيل الأخير الذي درس في موسكو أواخر العهد السوفييتي وبداية
البرسترويكا ،الأمر الذي أكسبه خبرة حياتية وفكرية مهمة كانت خميرة أنضجت
فيما بعد أعماله الدرامية لتكون في مقدمة المشهد الدرامي السوري.
لم يأت باسل الخطيب مصادفة إلى الأدب والفن، فهو سليل عائلة مثقفة، على
تماس يومي بالأدب والفكر والقضايا العامة ، فوالده الشاعر الفلسطيني الكبير
يوسف الخطيب ..مايعني أن باسل ذهب للدارسة وهو مدمج بثقافة أدبية غنية
ومتنوعة فكانت الدراسة الأكاديمية للفن تحصيل حاصل لعبت دوراً مهماً في
إظهار موهبته وصقلها وتلميع نصلها.
أخرج بعد عودته عدة أفلام تلفزيونية، لكن بداياته اللافتة والقوية كانت
مسلسل (الخريف) الذي كتب له السيناريو أيضاً . في الخريف ثمة صورة جديدة
وراءها مخيلة طازجة حيث كان هناك مزج متقن في الكادر بين الحالات النفسية
للأبطال وعناصر المشهد إن كان في المشاهد الداخلية أو الخارجية مع شفافية
وعذوبة لم نكن قد رأيناها في أعمال سابقة إلا نادراً، وحتى الآن نذكر مشاهد
الأحلام وطريقة توظيفها في المسلسل والبحث عن الطاقة الروحية التي تساهم في
شفاء الأم المريضة كما في مشاهد الفنانة أمل عرفة التي لعبت في (الخريف)
واحداً من أدوارها المهمة .
في ( الخريف) مزج بين الخيال والواقع وتوظيف أطياف أسطورية وخيالية في
مسلسل اجتماعي يحتفي بأرواح البشر ويبحث في قلوبهم عن براءة مخبأة في قشور
من قسوة الحياة ..
كل هذه العناصر كثفها المخرج في مسلسل لم يترك للثرثرة أو المشاهد الصامتة
المجانية أي دور، فالمونتاج في العمل ربط المشاهد ربطاً محكماً أدى لتسلسل
انسيابي في اللقطات والمشاهد .. في (الخريف) الذي قدم باسل الخطيب كمخرج
قادم بقوة إلى دراما التلفزيون ثمة تركيز لكاميرا على الوجوه ليس تركيزاً
شكلياً إنما هو تركيز تستطيع الكاميرا من خلاله الغوص إلى دواخل الشخصيات
لنكشف عوالمها النفسية وترسبات تعقيدات الواقع في أرواح هؤلاء الأشخاص
الباحثين عن الحياة والجمال .
(الخريف) هو أقرب في الحقيقة إلى رواية تلفزيونية تطلق العنان للخيال،
فالصورة المعبرة وراءها كاميرا أشبه بالروائي الذي يسرد لنا حكايته بأسلوب
شيق جميل، فالحوار كان مكثفاً، وفي الوقت نفسه، اقتصد المخرج به وأعطى
الدور الأكبر للمشهدية السينمائية حيث الصورة لها الدور الأكبر درامياً
وفنياً..وبرغم استمرار باسل الخطيب في أسلوبه الخاص وخاصة اعتناءه بالصورة
في أعمال كثيرة (الطويبي – هوى بحري- حنين- نساء صغيرات ) فإنه غير من
مساره الفني إلى
حد كبير في أعمال السيرة الذاتية والتاريخية والسياسية (ذي قار- ناصر- أدهم
الشرقاوي- أنا القدس- أيام الغضب- بلقيس- نزار قباني ) .
موهبة باسل الخطيب وثقافته هي الأساس في التعامل مع المادة الخام ،
السيناريو وتحويله إلى مسلسل تلفزيوني، وهي تأتي قبل التعلم وحسب الخطيب (مهنة
الإخراج لا يمكن تعلمها كأي مهنة أخرى، ففي أول درس في المعهد السينما،
أخبرهم الأستاذ أن الإخراج لا يمكن تعلمه ، فما سيتعلمونه يتعلق بالإطلاع
على الأدب العالمي والسينما العالمية ، فضلاً عن تنمية جوانب متعددة لدى
الطلاب فالأساس في هذا المجال هو الموهبة ..)
باسل الخطيب ليس مخرجاً موهوباً وحسب، بل هو كاتب ساهم في كتابة الكثير من
أعماله، كما ترجم عدة كتب في فن السينما ، وهذا ما يجعله أحياناً يقع في
خلافات مع المؤلفين حيث يجري الكثير من التعديلات على السيناريوهات بما
يتناسب مع رؤيته الفنية والفكرية خاصة أنه يتقن أدوات الكتابة ( فالسيناريو
يكتب في مكان مغلق وراء الطاولة ، ولكن عندما ينتقل للمخرج ، ويؤديه
الممثلون أمام الكاميرا ، يتحول إلى لحم ودم ينبض بالحياة ، فيجد المخرج
نفسه مضطراً لإجراء تعديلات وإضافات وكل ذلك يصب في مصلحة العمل ).
أحمد الخليل - مجلة دراما
|