|
حكاية فلسطينية
في سوريا لا يشعر الفلسطيني أن شهادته مجروحة، إذا ما أبداها بصدد فلسطيني
آخر . ففي سوريا من السوريين، من هو أكثر فلسطينية من فلسطينيين كثر . وهنا
فقط ، لا يمكن للمرء أن يتبصر أيّ فارق في أي شؤون الحياة، ليس على مستوى
المعيشة، وتدبرها ،بل في كل التفاصيل، بما فيها الإبداع، الذي يعتبر وسيلة
التعبير الأرقى للإنسان تجاه ذاته والآخر، تجاه الواقع والخيال، الراهن
والماضي والمستقبل . وبمقدار ما يتوافر اللون الفلسطيني في مختلف أنماط
التعبير الإبداعي السوري، حتى يندر أن تجد مبدعاً سورياً في أي من مجالات
الشعر أو القصة أو الرواية أو الفن التشكيلي ،والمسرح والدراما والسينما..
لم تكن له مساهمة بشكل ما في تناول القضيةالفلسطينية، التي تبقى في سورية،
قضية مركزية .. بالمقدار ذاته، فإن المبدعين الفلسطينيين، في سورية ، وجدوا
المجالات الواسعة للتعبير الإبداعي الذي يمكنهم ،تماماً في الوقت الذي
انخرطوا فيه بالهموم العامة، دونما أي نبذ أو طرد أو إقصاء . سيبدو المخرج
باسل الخطيب أحد أبرز العلامات الإبداعية التي استطاعت تحقيق حضورها
السينمائي والتلفزيوني، حتى ليصعب على الكثيرين التمييز بين كونه سورياً أو
فلسطينياً، وإن كان اهتمامه الأكبر يبقى حاضراً محوماً حول القضية
الفلسطينية ، والقدس في مقدمتها . ينتمي باسل الخطيب إلى عائلة فلسطينية
شهيرة من بلدة "دورا" التابعة لمدينة "الخليل " . عميد العائلة وكبيرها
والده الشاعر الكبير "يوسف الخطيب"، الذي أمكن له بفضل إبداعاته الشعرية
العالية أن يتحول إلى "صوت فلسطين" بقوته، وعلوه، ورونقه، كما بوضوحه
والتزامه المبادئ التي حملها الفلسطينيون، على أوجاعهم، وكتبوها بدمائهم .
في مقتبل حياته كتب باسل الخطيب رواية ( أحلام الغرس المقدس) فكان لها أن
تفوز بواحدة من جوائز د.سعاد الصباح . ومع ذلك يبقى الأهم في الأمر أن باسل
الخطيب هو أحد أفراد الجيل السينمائي العربي، الذي درس في المعاهد
السينمائية الشهيرة في الاتحاد السوفيتي قبيل انهياره.
من كتابة الرواية والترجمة، إلى تحقيق الأفلام السينمائية قبل أن تأخذه
المسلسلات التلفزيونية إليها .. ربما هذه هي الرواية العامة لسيرة المخرج
باسل الخطيب ..ولكن التفاصيل على غنى أكثر، وأعمق، وأبعد، إنه احد
الأكاديميين السينمائيين العرب الذين حاولوا ومازالوا التأسيس للصورة
السينمائية القادرة على خدمة القضايا العربية، في مسعى لتوظيف الإبداع .
بدأ باسل الخطيب نشاطه السينمائي ، منذ منتصف عقد الثمانينيات في القرن
العشرين ، إذا كان قد أنجز بعض الأفلام السينمائية خلال دراسته السينما في
الاتحاد السوفيتي ، نذكر منها فيلماً يحمل عنوان ( أمينة، حكاية فلسطينية )
عام 1984 ، وفيه محاولة سينمائية جادة ومهمة أيضاً لصناعة فيلم روائي قصير
يستثمر فيه علومه ومعارفه وثمار دراسته ليحكي فصلاً من حكاية النكبة
الفلسطينية ، من خلال شخصية أمينة، التي لم تعدم تكرار الحضور في أعماله
اللاحقة ، وإن اتخذت أسماء أخرى !..
كما أنجز خلال وجوده في معهد السينما فيلمه الروائي القصير( اللعنة) والذي
يقارب بشكل روائي تحليلي النكبة الفلسطينية، واللعنة التي حلت بالشعب
الفلسطيني على أيدي العصابات الصهيونية ، هنا سيبدو أن باسل الخطيب قد بدأ
يؤسس لرؤيته البصرية السينمائية ، وانتهاجها ، الأمر الذي ستظهر تعبيراته
في أعماله السينمائية اللاحقة ، وبشكل أكثر نضجاً وتبلوراً.
من إنتاج المؤسسة العامة للسينما في سوريا سيقدم عام 1995 فيلمه ( قيامة
مدينة) ، وهو فيلم روائي وثائقي مدته 45دقيقة يتركز موضوعه عن القدس ،
تاريخها وأهميتها ..سواء من خلال الشق الوثائقي الذي يظهره الفيلم ، عبر
مقابلات وحوارات مع عدد من الشخصيات المقدسية . كانت الشهادات النابضة
بصدقها وتجربتها ، لأعلام فلسطينيين عاشوا المأساة ، والاستعانة بوثائق
مهمة ، وصور فوتوغرافية ومقتطفات من الأرشيف ، توفرت له من أرشيف "دار
فلسطين" التي أسسها والده الشاعر يوسف الخطيب .. أو عبر الشق الروائي مع
الفنانة ثناء دبسي ، الصورة الأكثر وضوحاً لحضور "أمينة" والفنان عابد فهد
، الذي بدا كأنه المعادل التمثيلي للشهادات التاريخية ، بالكلمة والحديث ،
كما بالتوثيق عبر الصورة الفوتوغرافية ، لتتكامل صورة القدس وقيامتها ،مابين
الروائي والوثائقي في فيم جدير بالمشاهدة ،والاستعادة في كل وقت .
"أمينة" المرأة الفلسطينية تروي (باللغة الروسية) مأساتها الفلسطينية ،والأسرة
الفلسطينية ، التي تلوب في ( اللعنة) بحثاً عن حل للمأساة التي حلت بها ،
هي المقدمات لحكاية فلسطينية ، يقدمها فيلم ( قيامة مدينة ) ،وتوق العودة
العارم إليها .. وهي بمجموعها الممهدات للتحول الكبير في حياة المخرج ، ذلك
الذي بدأ بعد عودته إلى سوريا وبحثه عن مكان وفرته المؤسسة العامة للسينما
بداية ،عبر ( قيامة مدينة ) وسيقوم مرة أخرى بانجاز الفيلم الوثائقي (مسارات
النور) عام 1995، وهو الفيلم الذي يحاول كتابة السفر المجيد لسوريا، عبر
التاريخ، ومختلف الأزمان ، ورصد سير الحضارات التي قامت، وانطفأت، والأوابد
الشاهدة على عظمة هذا البلد .
وعلى الرغم من أن باسل الخطيب تمكن بسرعة ملفتة التقدم إلى الصفوف الأولى
من المخرجين العاملين في الدراما السورية، إلا أنه لم يفلت حلم السينما، بل
كانت له فرصة إنجاز أول فيلم روائي طويل، بالتوازي مع مسلسل تلفزيوني ، في
مبادرة لا نعلم إن كانت مسبوقة في سوريا ، وذلك عندما حقق فيلم (الرسالة
الأخيرة ) مع مسلسل ( الطويبي ) .
( الرسالة الأخيرة) الذي شارك في مهرجان دمشق السينمائي لم يجد لاحقاً
الفرصة اللائقة للعرض الجماهيري، وبقي طي الأدراج لأسباب رقابية، على الرغم
مما فيه من محاولة لاستنباط عمل سينمائي جاد ، إذ يتمتع الفيلم بأداء
استثنائي للفنان ايمن زيدان ، برفقة مجموعة كبيرة من الفنانين السوريين ،
كما يتميز بمشهديات رائعة ، واستثمار بصري جميل للبيئة بأنواعها وتكويناتها
وتشكيلاتها .
مع اندلاع انتفاضة الأقصى ، سيقدم باسل الخطيب ( الحركة الخامسة ) من إنتاج
المؤسسة العامة للسينما عام 2001، وهو فيلم روائي قصير ، مع الفنانة صباح
جزائري والفنان سلوم حداد والطفل نوار زيدان ..لا يفلت فيه الخطيب همه
واهتمامه بالقضية الفلسطينية ، وعنوانها وتاجها، القدس . وان كان عمد في
فيلمه هذا إلى انتقاد حالة التكرار والاعتياد التي أصابت وسائل الإعلام
العربية ، فنقلتها إلى قطاع من المشاهدين الذين بات قسط منهم يشاهد،
الوقائع الدامية لما يجري على ارض فلسطين ،دون أن يرف له جفن.
نظلم المخرج باسل الخطيب إذا ما توقف أمر قراءته على ما أنجزه من أعمال
تلفزيونية، على أهميتها ،واشكاليتها ، وما أثارته .. إذ يبدو تماماً كمن
يبحث عن الصورة المتكاملة للمبدع، بالكلمة والصورة، بالرؤية والموقف ..فلا
يمكن تجاوزما كتبه ، في الرواية و السيناريو، أو عما أضافه للمكتبة العربية
من ترجمات لأعلام السينما العالمية، الجادين منهم والمحترمين (تاركوفسكي ،
بيرغمان ) . فلدى باسل الخطيب الكثير مما يقوله ، ويقدمه ، بل لديه ذاك
الحمل الثقيل ، الإرث الكبير الذي ينوء به الأبناء ، يدفعهم الوفاء ..الوفاء
تلك صفة باسل الخطيب الأهم .
بشار ابراهيم
- مجلة دراما
|