BACK       عودة


أسدل الستار على آخر البيانات
مسلسل ( أنا القدس ) لباسل الخطيب..

كم أتخَمَنا من بيانات وخطابات التضامن مع فلسطين وشعبها ،ناهيك عن قصائد المديح الرسمية المفخمة عن القدس وشعبها ،حتى يعتريك الشعور بأن التحرير أصبح قاب قوسين أو أدنى..ولأنك بذاكرة الحاضر وعذابات الماضي وآمال المستقبل ،تحاول أن تجد قشة واحدة ،وإن كنت تعرف تضاريس هذا الواقع العربي المر ،لكن على ما يبدو فإن القدس لا تخرج عن الخطاب الحماسي ومفرداته ..وقس على ذلك ما شئت..ففي حين تشتد الهجمة على القدس وتاريخها وذاكرتها ، ينسحب كثيرون من المشهد ،وكأن القضية لا تعنيهم لا من قريب ولا من بعيد .. ومن دون شروحات كثيرة بالتأكيد يعرفها القارئ العربي ،نتوقف أمام مسلسل (أنا القدس)للمخرج الفلسطيني المبدع باسل الخطيب وهو من تأليفه بالاشتراك مع شقيقه تليد، وإنتاج المصري محمد فوزي .

العمل من دون شك يكتسب أهمية كبيرة من حيث توقيته وأفكاره ومعالجته الفنية ..والمخرج باسل الخطيب الذي بصم في المشهد الدرامي العربي بقوة موهبته ،قدّم لنا عملاً كبيراً برشاقة إحساس المؤلف المبدع المهموم، وكاميرا مخرج ساحرة توظف التفاصيل في رؤية درامية عارفة بأدواتها، فالوثيقة هي مدخل لقول أشياء كثيرة غفل عنها كثيرون ،لنقول إن مسلسل (أنا القدس)انجاز ضخم وكبير ،يقرا المرحلة ويشير إلى المخاطر ويستشرف ويصرخ صرخة الجريح:أنا القدس هي شرف الأمة ،فعلينا أن نبحر في تفاصيل الرواية ،وبجرأة الطرح ،لنعرف ماذا حصل ؟..ولماذا..؟ وللحق والإنصاف فان باسل الخطيب أثبت بوعيه أن الدراما تسهم في تشكيل الرأي والوعي المعرفي ، متصادماً مع من حولوا الدراما إلى مجرد ثرثرات، حيث أن المخرج وبعد سنوات طويلة من الحضور ، يكرس موهبته الفذة لقضية فلسطين وكم نحتاج إلى أمثال باسل الخطيب وثقافته الواعية التي تدرك أهمية تسخير الموهبة للفن الراقي ،الذي يبحث في الذاكرة المقاومة ،ويعيد قراءة التاريخ ،بعيداً عن فانتازيا الصورة ،بل تصبح الصورة نافذة لتشكيل لوحة الواقع مستندة إلى مقولات فكرية وسياسية ومعرفية تهدف إلى طرح أسئلة الراهن ..نجح باسل الخطيب في كل ذلك،ومع كل هذا النجاح كانت صورة القدس في مزاد تجاه الربح والخسارة والموقف السياسي والحسابات المتوفزة .. ليُقاطع المسلسل من معظم الفضائيات العربية عدا(الفضائيتين السورية والمنار) .ما معنى أن تعرض الفضائيات مئات المسلسلات-عدا ما ذكرنا- في شهر رمضان ، ويُستثنى (أنا القدس)،وهو من الأعمال الرائدة على كل المستويات ؟! لماذا تحضر القدس فقط في الخطاب الرسمي، وحين ندخل إلى مربع الفعل يهرب كثيرون ،ونحن نعرف كما تعرفون أن معظم الفضائيات العربية مملوكة لدول عربية ؟! لم أصب بالدهشة لذلك، ومعي الملايين، فالقدس تتعرض لأشرس هجمة صهيونية، وبعض النظام الرسمي العربي يريد أن يدخلها في دائرة التنازل والشطب والإلغاء..

يحق لنا أن نسأل كإعلاميين: ما لذي يحدث ؟ ولماذا هذا التواطؤ ومحاربة فلسطين والقدس..كما تحارب المقاومة وتُنعت بالمغامرة واللاعقلانية..؟! وهل أصبحنا في واقع يصرح به بالرديء والساقط فنباً وفكرياً.. ويحارب كل ما هو نظيف ؟! ربما هذا الكلام لا يعجب فضائيات الرقص والبرامج التي تذهب بالعقل وأصحابه ..ففي الوقت الذي تابعنا فيه في شهر رمضان أعمالاً كثيرة ،ربما كتبت في يوم أو اثنين وضخت لها الأموال ،فقوطع مسلسل (أنا القدس)في حرب أراها تستهدف كل ما هو نظيف وكبير ،وبالتالي يروج لكثير من الأعمال التي لا يمكن التعامل معها إلا على أنها مزيد من التدمير ،مع تقديرنا لأعمال هامة تستثنى من حديثنا . وأريد هنا أن أقول :من يتشدق أن الدراما العربية هي صورة لتظهير الواقع ،وتُستثنى فلسطين وقدسها ، فإنما يخادع نفسه،فالدراما مرآة الواقع ،وهي تقدمه لا كما تشتهي بعض رؤوس الأموال ،بل كما يراه الحريصون من مبدعين وكتاب مهمومين ،فباسل الخطيب الذي تقدم من منبع إيمانه ووطنيته ،وتصدى لموضوع القدس ،وكان يعرف تمام المعرفة أنه أمام أمواج متلاطمة من السياسات التي تُنظر فقط ،وحين يصبح الموضوع حقيقة ينسحب كثيرون، ورغم ذلك قدّم سابقاً أعمالاً كبيرة وسعى إلى تجسيد فعل أنه مثقف من طراز رفيع لا ينساق وراء الشهرة .. رغم أنه حققها بجدية طرحه وتكتيكه العالي ،المستندين إلى ثقافة سينمائية . ربما لم يأخذ مسلسل (أنا القدس)حقه ،لمحدودية العرض ،لكن يُحسب للمنتج محمد فوزي هذا الانجاز الكبير،ويُحسب للمخرج الكبير باسل الخطيب تلك الروح الوطنية العالية في فهم أهمية الدراما ودورها ،فقد حقق وفريق العمل مغامرة العقل ، مغامرة النجاح في أسمى قضية عادلة ، وإن لم يُعرض على كل الفضائيات ،وهذا كان أقل ما كان يمكن فعله تجاه قضية فلسطين ،فانه لشرف للمخرج الخطيب أن مسلسله (أنا القدس) وضع النقاط على الحروف ،وأظهر حقيقة بعض الإعلام العربي المعتقل في زنازين سياسية الارتهان ،والأكيد أن مسلسل(أنا القدس)لا يحتاج لشهادة من فضائيات الربح والخسارة ،لأن قضية فلسطين رابحة بدماء شهدائنا والأمناء على حضورها العالي في الذاكرة والتاريخ . تحية لأسرة مسلسل (أنا القدس)، ولمنتجه محمد فوزي ،ولباسل الخطيب نقول : إن القدس هي روحنا وشمس الصباح ..و(أنا القدس) دخل إلى كل بيت لأن فلسطين تستحق الحياة ،وتستحق العطاء ،كما أعطيتها في (أنا القدس).

د.بسام رجا ( جريدة الثبات 17- 9 – 2010 )