|
( ناصر) يعود مسلسلاً.. كأحلام السماء..
بعد 38 عاماً على غيابه مازال الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر قادراً
على حمل ملايين المشاهدين العرب على متبعة سيرته السياسية من خلال مسلسل
تلفزيوني ناجح يعرض هذه الأيام على فنوات فضائية ثانوية سجلت بفضله نسباً
قياسية من عدد المشاهدين.
والظاهر أن ناصر.. مسلسلاً يثير انقساماً من نفس الطبيعة التي آثارها ناصر
رئيساً لبلاده وزعيماً عربياً ، ففي الحالتين ثمة فئات (قليلة) ما انفكت
تناهض رسمه بقوة مقابل أكثرية ساحقة من المصريين والعرب تحنُّ إلى زمنه، بل
تتطلع إلى من يستأنف سيرته المصرية والعربية.
والراجح أن حجب المسلسل عن القنوات الأولى رغم مواصفاته الفنية القوية ورغم
النجاح التجاري الذي يضمره ليس ناجماً عن سوء تقدير أو عن تدبير أحمق بل
ربما ينطوي على حسابات سياسية يمكن حصرها في الخطوط التالية :
أولاً:ربما يخشى حجاب المسلسل من إقبال الأجيال الجديدة على الخيار لناصري
بدلا من الخيارات السياسية الفاشلة التي اعتمدت كبديل للناصرية وعلى الضد
منها طيلة العقود الماضية.
ثانياً: كان حجة المناهضين للناصرية تقول إن السلام مع إسرائيل والانخراط
دون شروط في السوق الرأسمالية يعد بنهضة حقيقية بمصير أفضل لملايين
المصريين .
لقد اختبرت هذه الحجة طيلة أربعة عقود حتى وصلت إلى طريق مسدود تماماً
كالحريات الموعودة والديموقراطية المفتوحة والتعددية الحزبية وغيرها من
المغريات التي استخدمت في مكافحة الناصرية ،ولعل تحرر الارث الناصري من هذه
القيود الأيديولوجية التي كبلته طويلاً فتح النقاش مجدداً حول خيارات جمال
عبد الناصر السياسية والتعريف به من خلال عمل فني ناجح أخفق المناهضون في
الحؤول دون إنتاجه فعمدوا إلى حجبه.
ثالثاً: وجهت هزيمة حزيران – يونيو1967ضربة قاصمة للناصرية وشقت بولفارا
عريضاً للنيل منها حملة شاملة اشتركت فيها ،على تنافر، فئات يسارية
وليبرالية ومحافظة وقد جربت هذه الفئات حظها طيلة العقود الماضية في خلافة
الناصرية دون جدوى .
من جهة ثانية أعادت الانتفاضة الفلسطينية في ثمانينات القرن الماضي
والمقاومة اللبنانية مطلع الألفية الثالثة الاعتبار لإستراتيجية المجابهة
الناصرية مع إسرائيل ولعل النجاح الذي أصابته والضعف المتزايد الذي طرأ
ويطرأ على قوة الردع الإسرائيلية ناهيك عن الصراع الذي خاضته ويخوضه
المقاومون مع خصوم عبد الناصر القدماء والجدد تقديرهم المعلن للريس ، ذلك
كله أدى إلى طي صفحة الهزيمة وتحرير الناصرية من أحد أهم نقاط ضعفها
وبالتالي عودة ناصر..مسلسلاً بكامل هيبته بلا هزيمة ولا من يهزمون.
رابعاً: حمل جمال عبد الناصر على رأس تيار مصري وعربي واسع راية طرد
الاستعمار القديم من العالم العربي ونجح في مهمته لكن الاستعمار عاد مجدداً
إلى المنطقة العربية عبر القواعد العسكرية تارة
واحتلال العراق والصومال تارة أخرى وتمويل وتنظيم الحروب الأهلية والطائفية
تارة ثالثة والسعي لتغيير خريطة المنطقة برمتها تارة رابعة .لقد صبت هذه
العودة الماء في طاحونة الناصرية بوصفها تياراً مظفراً في الكفاح ضد
الاستعمار القديم العائد من حيث طرد تحت شعار "نشر الديموقراطية "بدلاً من
شعار "نشر الحداثة" التي استخدمه القدامى ،ولعل عودة ناصر ..مسلسلاً تنطوي
على أكثر من عمل درامي أنها مناسبة للقول إن عدتم عدنا.
خامساً: على الرغم من الهجوم الشنيع الذي تعرض له "الريس" في بلاده وخارجها
وعلى الرغم من القوة الثقافية الضاربة التي انهالت على سيرته تهمشياً
وتشنيعاً طيلة العقود الماضية (كمؤرخين وكتاب سيرة أيديولوجية وروائيين
وسينمائيين ..الخ)، وعلى الرغم من سيطرة خصومه
التاريخيين على وسائل التعبير والنشر المهمة في العالم العربي وعلى الرغم
من ركاكة وسوء أداء معظم الذين يدعون وصلاً بالناصرية،على الرغم من ذلك كله
يعود الريس..مسلسلاً "واثق الخطوة إلى حد يخشى خصومه وأعداؤه من عرض سيرته
في قناة تلفزيونية رئيسية ما يعني أن ناصر الغائب 38 عاماً مازال قادراً
عبر شريط تلفزيوني على بث الخوف في حكومات ضعيفة .في مقال كتبه بعيد إعلان
وفاة "الريس" يقول المستشرق الفرنسي الراحل مكسيم رودانسون"كثيرون تمنوا
الموت لجمال عبد الناصر :عملاء أمريكيون وإسرائيليون واشتراكيون وجنرالات
فرنسيون وإخوان مسلمون (تغير موقفهم من بعد)وكثيرون غيرهم ممن سيكشف عنهم
التاريخ ...كثيرون منهم لم يفهموا أن قتل عبد الناصر لا يعني قتل الناصرية
ذلك أن عبد الناصر إن كان مكروهاً فلأنه يجسد أحلام شعبه ". يؤكد حجب ناصر
..مسلسلاً عن القنوات التلفزيونية الأساسية هذا الاستنساخ بعد38 عاماً على
صياغته فالمحجوب هو الناطق باسم المصريين والعرب والمجسد لأحلامهم وهذه
عابرة للأجيال والتاريخ وعصية على الحجب والمنع ولو كره الحاجبون. أغلب
الظن أن فريق العمل الذي أنجز هذا المسلسل ماكان يحسب أنه سيعين جمال عبد
الناصر على التعبير مجدداً عن أحلام العرب وسيساهم في تحريره من القيود
التي كبلته طيلة السنوات الماضية وأنه سيبعثه مجدداً الى فضاء جماهيري
لطالما انتظره. بعد 38 عاماً يعود ناصر..مسلسلاً ليرد :أرفع راسك يا أخي
ولو أراد لأضاف :ارفع راسك فأنت تنتمي إلى أمة عربية لا تليق بها الرؤوس
المطأطئة سواء أكانت متوجة بأكاليل الذهب الأصفر أو عارية إلا من رحمة
باريها .
فيصل جلول ( رسالة إلى الدكتور محسن بلال، وزير الإعلام السوري، بعد عرض
التلفزيون السوري مسلسل ناصر)
|