BACK       عودة


الشاعر يوسف الخطيب:
"لا مش مبسوط" ولكن معجب بأعمال باسل
ووفائه لأمه فلسطين!

ملحق جريدة تشرين السنة الثانية العدد 26

الحديث عن باسل الخطيب ينطوي على أهمية خاصة ، لا سيما عندما يقلب صفحاته والده الشاعر يوسف الخطيب ، المسكون بحب فلسطين والكتابة لها ، ولأن باسل هو ابن أبيه فعلاً ، فإن ما يسرده والده هنا ، يبدو شفافاً ودقيقاً ، مثلما ينطوي على صراحة ومكاشفات ربما يذكرها للمرة الأولى .. إنها الطفولة والنشأة وبدايات تلمس معالم الطريق عدا عن جوانب ذاتية تبين طبيعة باسل وعلاقته مع أفراد أسرته وابنه الوحيد "مجيد" الذي كثيراً ما يغيب عنه من جراء العمل والتصوير لفترات طويلة .. هنا يتحدث الشاعر يوسف الخطيب عن ابنه الذي أجاد وعمل ما يستحق الفخر فعلاً .. ومع ذلك ، فإن الوالد الراعي والمتابع والمهتم ، لا يزال ينتظر من ابنه الشيء الكثير ..,
يعود الأب بالذاكرة إلى لحظة الولادة التي رأى باسل فيها النور ، تلك اللحظة التي انطوت هي الأخرى على مفارقة غير متوقعة عندما أكد الأطباء وجود مولود آخر مع بادي الأخ التوم لباسل .. إنه الهبة الإلهية كما يسميه الوالد .. يقول : باسل هو التوءم البكر بالنسبة لأولادي ، كنت أتوقع ابناً لي كهدية من الله سبحانه وتعالى ، فكان باسل في الولادة الأولى لزوجتي ، ما فوق الهدية الإلهية الإعتيادية ، لأنه ما إن ولد ابني الأول بادي حتى بدا على الطبيب والممرضات غير قليل من الارتباك لاكتشافهم أنه لا يزال هناك مولود آخر فجاء كما قلت بما يشبه الهدية الإلهية الإضافية ولكن بجسد نحيل ووزن قليل مما أدى لوضعه في حاضنة المواليد لمدة أسبوع تقريباً ، فكنت عندما أتردد على المشفى لزيارة زوجتي وإلى جوارها البكر الأول بادي لا أمكث إلا قليلاً حتى أذهب إلى قسم الحاضنات لأقف وقتاً طويلاً عند التوءم الثاني باسل متوسلاً الله تعالى أن يمنحه نعمة الحياة والصحة والعافية ، وحمداً لله أنه استجاب لدعائي .
يتحدث الوالد يوسف الخطيب عن طفولة باسل الأولى ، ومدى الحيوية والنشاط اللذان تميز بهما ، في تلك المرحلة من عام 1966 ، أي في السنة الرابعة من عمر باسل ، أصيب بألم فجائي شديد جداً ، الأمر الذي استدعى نقله إلى المستشفى حيث خضع لعملية جراحية لاستئصال الزائدة ، تلك العملية التي كلفت نحو خمسمئة ليرة سورية ، لم يكن الوالد يملك منها شيئاً يذكر الأمر الذي استدعى منه رجوعاً إلى الدفاتر القديمة ، حيث قبض بعض المستحقات من إحدى المؤسسات لقاء عدد من الكراسات التي سبق أن أنجزها. يصمت الوالد قليلاً، ثم يتابع الحديث عن سني الطفولة الأولى عند باسل ، حيث رزق بعدة إخوة كان باسل الأكثر نشاطاً وحيوية في مجموع هذه "القبيلة" الصغيرة !ّ . يقول :
لم يكن باسل مثابراً على التحصيل المدرسي في المرحلة الأولى ، بقدر اهتمامه إما بالرياضة وكرة القدم ، وإما بالجلوس ساعات طويلة أمام التفاز ليلتهم بكل حواسه ما يشاهد من صور ومواد درامية أو فنية .. وكنت أستغرب مع كل هذا التعلق بالرياضة وشاشة التلفزيون أن ينجح في دراسته وينال شهادة البكلوريا! التي دخل بموجبها قسم اللغة الإنجليزية في كلية الآداب بجامعة دمشق لمدة سنة واحدة ، فهو طيلة تلك السنة كان يلح علي بالسؤال والرجاء والتمني أن أساعده على دراسة الإخراج السينمائي الذي لم يكن اختصاصاً مرغوباً أو دارجاً في تلك الأيام ، ولم تكن الظروف المادية تساعدني في الإنفاق عليه في مثل هذا التخصص الذي بدا لي مترفاً بعض الشيء !. كما أنه غير ضامن للمستقبل فاقترحت عليه أن يدرس الطب بموجب منحة خاصة للطلبة الفلسطينيين في الإتحاد السوفيتي .. نعم استطعت أن أؤمن له تلك المنحة لدراسة الطب وودعته قبل أن ينطلق إلى موسكو للتخصص في هذا الحقل .
يتابع الوالد : لكن لم تكد تنقضي السنة الاولى التي يتحتم عليه فيها أن يتعلم اللغة الروسية إلى درجة تؤهله لدراساته العليا ، حتى حادثني من موسكو ، طالباً مني أن أدعو الله له أنا ووالدته بالتوفيق والرضا لأنه قرر بصورة نهائية أن يتخصص في الإخراج السينمائي في معهد موسكو العالي للفنون السينمائية .. وطبيعي أنني وافقته على الفور بل وسعدت كل السعادة لأنه تخصص في الحقل الذي يحب .. وهكذا قضى ست سنوات إلى أن حصل على شهادة المعهد المذكور بتفوق .. تفوق لم أكترث له كثيراً ، لأنه مهما تكن الشهادة جيدة فإنها لا تصنع فناناً .. إلى أن عاد إلينا أخيراً وفي جعبته نسخة من فيلم التخرج ( اللعنة ) الذي نال درجته العلمية عليه ، فمن هنا تحديداً ومن هنا فقط ، تيقنت وبشكل عملي وتطبيق ميداني من أنه يجسد في ذاته فناناً حقيقياً و يملك خيالاً درامياً مبدعاً ومؤثراً وشاعرياً سرعان ما أثبه بالتطبيق العلمي لاحقاً في أعمال درامية أظن أنها ستظل من بين أهم كلاسيكيات الإنتاج الدرامي كأيام الغضب مثلاً ، ومسلسلات (الطويبي) و(ناصر) و(أنا القدس) وما إلى ذلك مما يعلمه المشاهدون .. وطبيعي أن مثل هذه الشهادة من أب في أعمال ابنه أول ما يتبادر إلى الذهن أنها شهادة مجروحة بدافع المحبة الأبوية ، ولكنني مع ذلك أدليت بها حتى أكون أميناً مع نفسي ومع جميع الآخرين .
أحب باسل الخطيب كرة القدم كثيراً ، ومنذ أيام الدراسة كان يذهب دائماً إلى نادي الجلاء ونادي الطلبة الفلسطينيين حيث أسسوا فريق القدس .. هذه المسألة التي تشير إلى حجم الحيوية والنشاط لديه ، انعكست على سلوكه في المنزل ،حيث تميز عن الجميع بالنشاط والحركة .. منذ تلك المرحلة ظهرت علاقته المميزة والوطيدة مع أخيه التوءم بادي .. يقول الوالد:
علاقة باسل مع أخيه التوءم بادي مدهشة جداً ، وقد يكون بإمكان علماء النفس فقط أن يفسروا ظاهرة (التخاطر) التي تتواجد في العادة بين شخصين يحب كل منهما الآخر بصورة استثنائية ، فما بالك بأخوين توءمين يصاب أحدهما على سبيل المثال بعارض صحي في النمسا حيث يعمل بادي فيشعر توءمه الثاني باسل بأوجاعه وهوهنا في دمشق !. وما أكثر هذه المواقف سواء في حالة التوعك الصحي أو حتى في أية مشاعرٍ أو عواطف أخرى يحس بها الاثنان معاً في الوقت نفسه ويتعلق كل منهما بالآخر تعلقاً شديداً إلى مرتبة ما فوق التعلق الأخوي العادي .
يتحدث أبو بادي ، عن تأثير طبيعة عمل باسل بعلاقته بأسرته وابنه مجيد ، فهو لم ينعكس على الأب فقط، بل على جميع المحيطين به ، وذلك من جراء الوقت الطويل الذي يمتد أشهراً من التصوير والانشغال خارج المنزل ، ورغم أن الأب يعترف بطبيعة هذا الواقع ، إنما يقول : للضرورة أحكام !.
وحول سؤاله عن مدى سعادته بما حققه باسل من أعمال ناجحة وتركيزه الكبير على القضية المحورية فلسطين ومحاولته إلقاء ىالضوء عليها كي تبقى حاضرة في الذاكرة .. يقول : (لا مش كتير مبسوط) ، صحيح أن باسل خدم قضيته الفلسطينية ربما أكثر من غيره من المخرجين ، وهذا أمر طبيعي ، ولكن ذلك لا يرضيني شخصياً ولا أقتنع به إلى حد الاكتفاء ، لأن المطلوب منه هو أكثر من ذلك بكثير ..
ورغم أن الوالد يشرح حجم سعادة باسل في كل عمل تمكن من إنجازه بنجاح منقطع النظير ، إلا أنه يشاء البوح بسرٍ عائلي لم يصرح به مسبقاً ويتناقض عملياً مع عبارة (مش مبسوط) التي ذكرها سابقاً .. يقول :
رغم النجاح الذي يحصده باسل ، إلا أنني شخصياً ، وقد يكون هذا سراً عائلياً من غير الضروري أن أبوح به ، أبدو أمامه كأنني غير مكتف تماماً ، وأنه ينبغي عليه أن يقدم أكثرمن ذلك .. بينما في داخلي أكون راضياً عنه كل الرضا ، بل وإلى حد الإعجاب الشديد في كثير من الأحيان ..
يؤكد الوالد أنه ورغم حيوية باسل الكبيرة ، إلا أنه يظهر هادئاً ومتزناً جداً على عكس ما كان عليه في طفولته وصباه .. تلك المرحلة المليئة بالمشاريع والأفكار والسفر. وحول موضوع الإبداع بالكتابة أو بالشعر كفن طغى لفترة طويلة في السابق، وحلول عصر الصورة وسيادتها على جزء كبير من المشهد الفني، يقول : في اعتقادي أن جميع أجناس الفن على إطلاقها أشبه ما تكون في علاقة بعضها بالبعض الآخر بقانون الأواني المستطرقة، حيث ينفتح الشعر على الموسيقى والموسيقى على الفن التشكيلي والتشكيل على سائر الفنون الأخرى، فلا الشعر بحاجب لغيره من الفنون ولا فن الصورة بالتالي بحاجب لجنس الشعر الفني وإنما هي كلها ملكة واحدة متصلة الفروع فيما بينها تحت مبدأ الإبداع في كل الأحوال.
حديث الأب الشاعر عن ابنه المخرج الذي أثبت وجوده في أكثر من عمل من العيار الثقيل ، حديث عن مبدعين حملا القضية الأم كهاجس ومشروع كل في مجاله .. وإذا كان الشاعر الأب كتب الكثير عن الوطن والعودة وفلسطين ، فإن باسل الابن يستنير بكلمات أبيه وإضاءاته الكثيرة على هذا الطريق ..
الطريق الذي يقول الإثنان إنه طويل جداً ويستدعي شحذ المخيلات والعقول !.